فخر الدين الرازي

400

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ في قوله تعالى وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ ] في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير : عبدنا على الواحد وهي قراءة ابن عباس ، ويقول إن قوله : عبدنا تشريف عظيم ، فوجب أن يكون هذا التشريف مخصوصا بأعظم الناس المذكورين في هذه الآية وهو إبراهيم وقرأ الباقون : عِبادَنا قالوا لأن غير إبراهيم من الأنبياء قد أجري عليه هذا الوصف فجاء في عيسى : إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ [ الزخرف : 59 ] وفي أيوب : نِعْمَ الْعَبْدُ [ ص : 44 ] وفي نوح : إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً [ الإسراء : 3 ] فمن قرأ ( عبدنا ) جعل إبراهيم وحده عطف بيان له ، ثم عطف ذريته على عبدنا وهي إسحاق ويعقوب ، ومن قرأ ( عبادنا ) جعل إبراهيم وإسحاق ويعقوب عطف بيان لعبادنا . المسألة الثانية : تقدير الآية كأنه تعالى قال : فاصبر على ما يقولون واذكر عبادنا داود إلى أن قال : واذكر عبادنا إبراهيم أي واذكر يا محمد صبر إبراهيم حين ألقي في النار ، وصبر إسحاق للذبح ، وصبر يعقوب حين فقد ولده وذهب بصره . ثم قال : أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ ، واعلم أن اليد آلة لأكثر الأعمال والبصر آلة لأقوى الإدراكات ، فحسن التعبير عن العمل باليد وعن الإدراك بالبصر . إذا عرفت هذا فنقول النفس الناطقة الإنسانية لها قوتان عاملة وعالمة ، أما القوة العاملة فأشرف ما يصدر عنها طاعة اللّه ، وأما القوة العالمة فأشرف ما يصدر عنها معرفة / اللّه ، وما سوى هذين القسمين من الأعمال والمعارف فكالعبث والباطل ، فقوله : أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ إشارة إلى هاتين الحالتين . ثم قال تعالى : إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله : بِخالِصَةٍ قرئ بالتنوين والإضافة فمن نون كان التقدير أخلصناهم أي جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها وهي ذكرى الدار ، ومن قرأ بالإضافة فالمعنى بما خلص من ذكرى الدار ، يعني أن ذكرى الدار قد تكون للّه وقد تكون لغير اللّه ، فالمعنى إنا أخلصناهم بسبب ما خلص من هذا الذكر . المسألة الثانية : في ذكرى الدار وجوه الأولى : المراد أنهم استغرقوا في ذكرى الدار الآخرة وبلغوا في هذا الذكر إلى حيث نسوا الدنيا الثاني : المراد حصول الذكر الجليل الرفيع لهم في الدار الآخرة الثالث : المراد أنه تعالى أبقى لهم الذكر الجميل في الدنيا وقبل دعاءهم في قوله : وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [ الشعراء : 84 ] . ثم قال تعالى : وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ أي المختارين من أبناء جنسهم والأخيار جمع خير أو خير على التخفيف كأموات في جمع ميت أو ميت ، واحتج العلماء بهذه الآية في إثبات عصمة الأنبياء قالوا لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم أخيارا على الإطلاق ، وهذا يعم حصول الخيرية في جميع الأفعال والصفات بدليل صحة الاستثناء وبدليل دفع الإجمال .